11يوليو

الحكومات وحرب الأتمتة و الربوتات


قبل عامين، كنت في نقاش يقوده أحد كبار المحللين الاستراتيجيين في العالم وكان في إيطاليا ، ذكر بأن أحد خمسة عوامل ستغير العالم والعلاقات الدولية مستقبلاً هي “الأتمتة” وهي كلمة تلخص جوهر كثير من التقنيات الحديثة البارزة في المستقبل ، كالذكاء الاصطناعي والروبوتات والمركبات ذاتية القيادة وإنترنت الأشياء حتى 5G ….. وغيرها

والتي ستستبدل الإنسان بالآلة

هذه التقنيات والحياه السريعة المتصلة والأتمتة رغم أنها تسهل حياتنا اليومية وتختصر الكثير علينا من الوقت ومن طوابير الانتظار ، فقد أصبحنا نحمل الأطنان من الكتل بضغطة زر ، نقطع المسافات الشاسعة بقصصات ورقة (أو باركود)، نقرأ العلم والتاريخ بضغطة زر Enter ، نزور أقطاب الأرض ونرى ما يحدث فيها ونحن مستلقون على سرر متقابلين ، نطعم جائع ونسقي عطشان في أخر العالم ولا زلنا مستلقين ، إلّا أن هذا التطور التقني يعتبر كـباب في باطنه الرحمة وظاهره من قبله العذاب

من أكبر المخاوف المتوقعة للتطور التقني السريع ، أن الأله ستأخذ مكان الإنسان العامل فهي صاحبة الكفاءة الأعلى والأدق في العمل والأقل تكلفة والأسرع في الإنتاجية وتعمل على مدار 24 ساعة بدون كلل وملل

نرى بعض التقدم للألآت على حساب البشر في مجالات عِدَّة
فمثلا :
– الطيار الألي أصبح يقود معظم وقت الرحلات الجوية وقد نراه قريبا يقود الطائرة بالكامل من الإقلاع إلى الهبوط ونستغني عن كباتن الطائرات للبديل الأوفر والأدق والأذكى
– استبدلت المتاجر الكثير من المحاسبين ومندوبي المبيعات ومديري الحسابات والمسوقين بموقع إلكتروني وتطبيق على الهواتف أوفر وأدق وأكثر تفصيلاً للمنتجات ويصل للجميع
– ونرى جلياً البنوك والقطاعات المالية (خصوصا عندنا في السعودية) ، أصبح بإمكان العميل الاستفادة من جميع خدمات البنك بدون مواجهة أي موظف !!!
– وحتى موصلي الطلبات تحاول شركة أمازون أن تستعيض عنهم بطائرات الدرون لتوصيل الطلبات (في مرحلة تجريبية حتى الآن)
– وشركات الحراسات الأمنية استبدلت حراس الأمن بكاميرات المراقبة CCTV
– وزارات الدفاع استبدلت المغامرة بجنودها بروبوتات يتم التحكم بها عن بعد أو طائرات بدون طيار

سأعطي أسماء لكم فقط وأدعكم تبحثون كيف أن الآله أخذت محل البشر
كريم – اوبر – مدى – ساهر – gmail – amazon – VR – CCTV – تسلا – تويتر وغيرهم كثير

كل هذه امتيازات للشركات والحكومات من الناحية المالية والإنتاجية ودقة العمل
ولكنها ستخلق مشكلات جمّة أبرزها العطاله
فالتطور التقني سريع جداً ومثل هذا التطور سيخلق وظائف نوعية ( البرمجة ، التحليل ، والإبداع ، والسيبرانية …. وغيرها ) وهو أسرع من قدرة الناس على التطور ، والنتيجة ستكون حتماً عطالة كبيرة جداً خصوصاً في هذه المرحلة الإنتقالة والتي يتوقع أن تستمر 30 سنة
والتي قد تنهار الطبقة الوسطى من المجتمعات فنعود كما بدأنا أول مرة طبقة ثرية وأخرى فقيرة

قد يتبع مشكلة العطاله مشاكل اخرى كغضب شعبي على الحكومات إذا هي لم تجد حل سريع وقد تؤدي لثورات سياسية وتبرز الأفكار الاشتراكية

الدول الكبرى مثل أمريكا أو الاتحاد الأوربي والتي يكثر الاتجاه إليها من المهاجرين بحثا عن لقمة العيش والهروب من الحروب الأهليه ، قد تغلق حدودها ومنافذها فهي لا تريد أن يزداد أعداد المقيمين مقابل شح الوظائف وهيمنة الربوتات والأتمتة عليها ، والتي قد يخلق إنفلاتات امنيّه وارتفاع في معدلات الجرائم
لذلك قد تظهر مشكلات سياسية بين الدول المهاجر منها والمهاجر إليها
وقد كان واضح وضوح الشمس في الخطابات الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، وكان أحد أهم الأسباب التي جعلت الشعب البريطاني يصوت لـ Brexit وهو إنفصال بريطانيا عن الإتحاد الأوروبي

على الحكومات الإسراع في إيجاد حلول لهذه المشاكل التبعيّة للأتمتة ، فلا مناص من التطور التقني السريع وسيطرة الربوتات (ليس كما تصورها لنا أفلام هوليوود ، وربما كذلك !!)
وعليها البدء بالتعليم والتحفيز للوظائف الإبداعية ، فلم تصبح القوة والسيطرة بالكم إنما بالكيف ، ونأخذ مثال إسرائيل والتي اتجهت لتقوية قدراتها التقنية وبرزت بقوة في مجال البرمجيات والأمن السيبراني


التقنية والأتمتة والربوتات والذكاء والاصطناعي وصناعة البرمجيات جعلت الحياة أسهل وأسرع وأكثر إنتاجية وتعد بمستقبل مشرق ، ولكن فقط لمن سيفهم التقنية ويسيطر عليها ويتأقلم سريعاً مع مستجداتها



بقلم @alsahlisaleh صالح احمد

24يونيو

البحتري والخليفة جعفر المتوكل في يوم العيد

في يومِ عيد الفِطر اهتز البحتري طرباً لمّا رأى موكب الخليفة العباسي جعفر المتوكل في طريقهِ إلى صلاة العِيد، أخذت بلبِّهِ روعة المنظر، فقال مِما قالهُ في قصيدةٍ هي من عيون قصائده التي يفخر بها، التي يقول في مطلعها

‏أُخفي هوًى لكِ في الضُّلوعِ وأُظهِرُ
وأُلامُ فـي كَمَـدٍ عليـكِ وأُعـذَرُ …
وأراكِ خُنتِ على النّوى مَن لَمْ يخُن
عهدَ الهوى وهجرتِ مَن لا يَهجرُ …
وطلبتُ منكِ مودّةً لم أُعطهـا
إنّ المُعنّى طالبٌ لا يَظفِرُ …

 

‏وجاوزَ كل هذا فأخذَ يمدح الخليفة قائلاً:

 

اللهُ مكّـن للخليـفةِ جعـفرٍ
مُلكًا يُحسّنه الخليفةُ جَعفرُ …
نُعمى مِن الله اصطفاهُ بفضلِها
والله يرزِقُ مَن يشاءُ ويقدرُ …

 

و يقول:
بالبِرِّ صُمتَ وأنتَ أفضلُ صائمٍ
وبسُّنـةِ الله الرضيـةِ تُفطِـرُ …
‏فانعِمْ بيومِ الفِطر عَينًا إنّهُ
يومٌ أغرُّ مِن الزمانِ مُشهّرُ …
أظهرتَ عِزّ المُلك فيهِ بجحفلٍ
لجِبٍ يُحاطُ الدِّين فيهِ ويُنصَرُ …
خِلنَ الجِبال تسيرُ فيهِ وقد غَدَتْ
عُددًا يسيرُ بها العديدُ الأكثرُ …
فالخيلُ تَصهلُ والفوارِسُ تدّعي
والبيضُ تَلمعُ والأسِنّةُ تزهرُ …
‏والأرضُ خاشعةٌ تَميدُ بثقلِها
والجوُّ مُعتكرُ الجوانبِ أغبرُ …

 

ثم قالَ -وانصت لما قال :

حتى طلعتَ بضوءِ وجهكَ فانجلى
ذاكَ الدُّجى وانجابَ ذاك العِثيَرُ …
وافتنّ فيكَ الناظرونَ فإصبعٌ
يُوْمَا إليكَ بها ، وعينٌ تَنظرُ …
‏يجدونَ رؤيتكَ التي فازوا بها
مِن أنعُمِ الله التي لا تُكفَرُ …
ذكروا بطلعتكَ النبيّ فهلّلوا
لما طلعتَ من الصفوفِ وكبّروا …
حتى انتهيتَ إلى المُصلّى لابساً
نورَ الهُدى يبدو عليكَ ويَظهرُ …
ومَشيتَ مِشيةَ خاشعٍ متواضعٍ
للـه لا يُـزهى ولا يَتكبّـرُ …
‏فلو انّ مُشتاقًا تكلّف غيرَ ما
في وُسعهِ لمَشى إليكَ المِنبرُ! …
4مارس

ملوك الشعر والليل

‏كان الصاحب بن عباد يقول :

بدأ الشعر بملك وختم بملك ، يعني امرؤ القيس وأبو فراس الحمداني

 

  • ‏في الليل كان الملك الضِّلّيل يقول :

وليلٍ كمَوجِ البحر أرخى سدولَهُ …

عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لمّا تمطّى بصُلبه …

وأردف أعجازًا وناءَ بكلكلِ

ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلي …

بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثلِ

فيا لك من ليل كأن نجومَهُ …

بكل مُغار الفَتلِ شُدّتْ بيَذْبُلِ

في البيت الأخير تشبيه عميق وعظيم ولكن غموض مفرداته ظلمته أمام وضوح تشبيه امرؤ القيس لليل بموج البحر

‏يقول امرؤ القيس : إن نجوم الليل لا تفارق محالّها، فكأنها مربوطة بحبل محكم الفتل وقد شد إلى جبل “يذبل” وهو جبل في نجد

والتشبيه ذاته يتكرر كناية عن طول الليل، ولكن مع الثريا :

كأن الثريا عُلِّقت في مصامها …

بأمراسِ كتانٍ إلى صُمِّ جندلِ

استطال الليل لمقاساة الأحزان فيه، فالنجوم لا تتحرك مع ساعات الليل، وهو يراها مستقرة ثابتة في مكانها، كأن النجوم مشدودة بحبال إلى حجارة فليست تمضي

الثريا : مجموعة من الكواكب

المصام : موضع وقوفها

الأمراس : الحبال

الجندل : الحجارة

 

  • ‏وكان الملك الأسير أبو فراس الحمداني ذو كبرياء عصي الدمع :

أراكَ عصيَّ الدمعِ شيمتكَ الصبّرُ …

أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ؟

بلى، أنا مشتاقٌ، وعندي لوعةٌ …

ولكنّ مثلي لا يذاعُ له سِرُّ

‏لكن الكبرياء يتهاوى ليلًا.. فيقول :

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يد الهوى …

وأذللتُ دمعًا من خلائقهِ الكبرُ

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جوانحي …

إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُوالفِكْرُ

و “أضواني” هنا تحتمل كل هذه المعاني:

- أضعفني

- انضم ولجأ وأتى ليلًا

ناهيك عن إيحاء الضوء وضده الليل!

 

  • ‏في الأسر، سمع أبو فراس حمامة تنوح على غصن شجرة، فعاد الدمع عزيزًا :

أيا جارتا، ما أنصف الدهرُ بيننا …

تعالي أقاسمك الهموم، تعالي

تعالي تري روحًا لدي ضعيفة …

تردد في جسم يعذب بالِ

أيضحك مأسورٌ، وتبكي طليقة …

ويسكت محزون، ويندب سالِ

لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة …

ولكن دمعي في الحوادث غالِ

 

  • وقد أوصى أبو فراس الحمداني إبنته بالتجلد والصبر بعد ساعة وفاته
أبنيتي ، لا تحزني ‍...
كلُّ الأنامِ إلى ذهابِ
أبنيتي ، صبراً جميـ
ـلاً للجَليلِ مِنَ المُصَاب!
نُوحِي عَلَيّ بِحَسْرَة ٍ! ...
من خَلفِ سترِك وَالحجابِ
قُولي إذَا نَادَيْتِني ...
و عييتِ عنْ ردِّ الجوابِ
زينُ الشبابِ، " أبو فرا
سٍ، لمْ يُمَتَّعْ بِالشّبَابِ

14يونيو

ما هو العيد

في صغري .. كثيراً ما كنتُ أفكر بالعيد ….
من هو .. ما هو .. شكله .. هيئته .. وحدة صوته …
أحسستُ مرةً بأنه يشبهُ “صاحبَ الظل الطويل” .. وأني لن أرى منه إلا بقايا ظلّه
ولما سألتُ أبي عنه .. قال : نام الآن .. وغداً سيأتي العيد لِيطرقَ أبوابَ القرية .. حاملاً معه حلوى وألعاب ….

أذكر ليلتها بأني لم أنمْ .. كانتْ تحملني أفكاري وهواجسي الليلية إلى العم “عيد” .. وإلى سلّة ممتلئة بالحلوى والألعاب .. وبتُ أفكر .. هل هو طويل القامة بحيثُ سأرفع رأسي كثيراً لأصلَ إلى منتهاه .. وربما أصادفُ أعلى كتفيه …!
هل سيأتي بسيارةٍ فخمة .. كَتلكَ التي رأيتها في كرتوني المفضل
ربما له ابن .. في عمري ! … سَألعب غداً معه  “الغميمة” …
وﻻ اذكر بأني حصلتُ على مرادي وصادفتُ العم “عيد” .. حتى أني جلستُ طويلاً على عتبة البيت منتظراً أن يأتي .. وما حدثَ .. أن أتى ..
وحينَ كبرتُ … عرفتُ أن العيد ﻻ يأتي راكباً أو ماشياً
ﻻ يأتي حينَ ننتظرهُ ..
عرفتُ أنَّ العيد هوَ أن ﻻ ينزفَ وطني ..
والعيد أن ﻻ تبكي أمي ..
والعيد أن يستقيمَ ظهر أبي ..
عرفت أن العيد هو أن نحتفل سنوياً بتقدمنا العلمي والاقتصادي والفكري ، وأن لا نتسوى مع سائر الأحياء وإنما نصل إلى أوَج الرقي الإنساني

بقلم صالح احمد

AlsahliSaleh

7مايو

عندما جَنّدَل عمرو بن كلثوم برأس عمرو بن هند

 

أشارت المراجع التاريخية، أن الملك عمرو بن هند أضمر للشاعر عمرو بن كلثوم الحقد لما رأى عنده من شدة فخر وتباه وتشامخ.. وكان عمرو بن هند ملك الحيرة.

وفي ذات يوم، كان الملك عمرو بن هند في مجلسه وبين أفراد حاشيته شاعراً بالعزة والعظمة فطرح أمام كبار قومه قضية غريبة فقال :

أخبروني يا رجالي الأوفياء.. هل يوجد في هذا الكون من هو أعز مقاماً وأشد أنفة، وأعظم قدراً مني..

كان السؤال غريباً.. وكانت الإجابات تحمل من الخوف ما جعلها تتسربل بالنفاق.

فردت عليه حاشيته بقولهم:  لا أيها الملك العظيم.. لم نََرَ.. ولم نسمع عن ملك أعز منك شأناً وأعظم قدراً.

ثم كان سؤال الملك الأغرب:

هل تعلمون أو تتخيلون أن أحداً من العرب ـ أينما كان ومهما بلغ شأنه ـ تأنف أمه من خدمَة أمي؟

أمام هذا السؤال الرهيب، أدرك الملك أن الإجابات ستكون إجابات الخائفين.. والخوف يمنع الصدق ويبيح النفاق، ولذلك أردف قائلاً:

أريد إجابات صادقة ومهما كانت هذه الإجابات فإنني ســأقبلها وسأحترم أصحابها.. أريد فقط أن أعلم.. هل هناك رجل من العـرب تأنف أمه من خدمَـة أمي؟

قال أحد الجلساء، وكان شجاعاً وجريئاً معروفاً بصدق روايته، وثقة مصادره:

نعم أيها الملك العظيم.. نعرف من تأنف أمه أن تخدم صَاحَبة الفضيلة والعزة أمكم.

ومن هو قالها الملك عمرو بن هند، والشرر يتطاير من عينيه.

فأجابه الرجل : عمرو بن كلثوم أيها الملك العظيم.

كان وقع الاسم على الملك رهيباً، فهو يعرف صاحبه.. وسبق أن استمع إليه وهو يقوم بدور الحكم في خلاف  وقع بين قبيلة بكر وقبيلة تغلب.. ولقد ألقى يومها عمرو بن كلثوم جزءاً من معلقته مفتخراً على خصومه دون أن يعير مركز الملك عمرو بن هند أي اهتمام أو تقدير.. وهذا ما جعله يومها يحكم على التغلبيين لمصلحة بني بكر.

فسأل الملك ولماذا تعتقد أن أم هذا الشاعر تأنف من خدمة أمي؟

فأجابه الرجل: لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمر وهو سيد قومه.

انتهى المجلس بعد ذلك لتضج فكرة غريبة في ذهن الملك عمرو بن هند، وقد قام بتنفيذها على الفور، حينما أرسل أحد خلصائه إلى عمرو بن كلثوم يدعوه فيها أن يزوره هو وأمه ليلى والتي تحبها أم الملك وتريد إكرامها..

قَبلَ عمرو بن كلثوم دعوة الملك عمرو بن هند، ورحل مع أمه في موكب من الخدم والحشم وثلة من فرسان القوم الأشداء، فهكذا كان سفر أسياد القوم في ذلك الزمن.

وما بين الحيرة والفرات، ضرب عمرو بن هند رواقه وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا.

ودخل عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة في جانب الرواق.

وهند أم عمرو الملك كانت عمة امرئ القيس بن حجر الشـاعر وتجمعها صلة القرابة مع ليلى بنت المهلهل.. فعمتها فاطمــة أخت المهلهل هي أم امرئ القيس.

وضع الملك عمرو بن هند خطة الإذلال مسبقاً فطلب من أمه أن تأمر الخدم بالانصراف وأن تقوم ليلى أم عمرو بن كلثوم هي بالخدمة..

سألت هند ليى فقالت : ليلى.. ناوليني هذا الطبق الذي أمامك.

هزّ الطلبُ قلب ليلى.. فتغير وجهها.. ومع ذلك صبرت وقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها.

فكررت هند طلبها مرارا وتكرار وأصرت عليه

وهنا صاحت ليلى:

واذلاه.. يا لتغلب.

صدم صوتها سمع ولدها عمرو بن كلثوم.. فثار الدم في وجهه.. ووثب إلى سيف لعمرو بن هند معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره.. فضرب به رأس عمرو بن هند.. ونادى من رافقه من فرسان تغلب.. فغنموا ما في الرواق.. وساقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة العربية.

اعتبرت معلقة عمرو بن كلثوم أحسن المعلقات، حتى أن بعض النقاد قالوا: “لو وُضعت أشعار العرب في كفة وقصيدة عمرو بن كلثوم في كفة لمالت بأكثرها”.

وقد بدأ عمرو بن كلثوم بنظم هذه المعلقـة قبل أن يقـتل الملك عمرو بن هند، ولكنه أضاف إليها أبيات تجسد الحادثة وتشير إليها.

تبدأ معلقة الشاعر عمرو بن كلثوم بهذا المطلع:

ألا هبي بصـحنك فاصبحينا

ولا تبقـــي خمـــور الأندرينا

مشعشعة كأن الحصَّ فيها

إذا ما المــاء خالطـها سخينا

 

ونظراً لطول المعلقة فإننا نختار منها الجزء المتعلق بتلك الحادثة:

 

ألا.. لا يجهــلن أحــد علينـا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

بأي مشــيئة عمرو بن هـند

نكون لقيلكم فيها قطينا

بأي مشــيئة عمــرو بن هــند

تطـــيعُ بنا الوشـــاة وتزدرينـــا

تهـــدَّدْنا وأعــــودنا رويــــدا

متى كــنا لأمـك مقــتوينا

فـــإن قناتنا يا عمـــرو أعــيت

على الأعـــداء قــبلك أن تلينا

ورثنـا مجــد علقمـةَ بن سـيف

أباح لنا حصــون المجـــد دينا

ومنّا قبــله الســــاعي كَليــب

فأي المجــــد إلا قـد وليـــنا

ونحـن الحاكمــون إذا أُطعـــنا

ونحـن الآخـــدون لمـا رضـينا

إليكـــم يا بنـي بكـــر إليكــــم

ألمّّـا تعـــرفوا مــــنّا اليقـينا

كـأنا والســـــيوف مســـلّلاتٌ

ولـدنا النــاس طُــرّاً أجمعـينا

ونشــرب إن وردنا الماء صفواً

ويشـــرب غـــيرنا كـدراً وطينا

إذا ما المَلْكُ سام الناس خسفاً

أبينــا أن نقــــرَّ الـــذلَّ فــينا

لنا الدنيا ومــن أمســى عليهـا

ونبطش حين نبطش قادرينا

بغــاة ظــالمين ومـــا ظــلمنا

ولكـــن ســـنبدأ أظالميـــنا

مــلأنا البرَّ حتى ضـــاق عــــنا

ونحــن البحـــر نمـلأه سفينا

إذا بلـغ الفطـــامَ لنا صَــــبيٌ

تَخـــرُّ لــه الجـــبابرُ ساجدينا

وقد افتخر شعراء تغلب بقتل عمرو بن كلثوم للملك عمرو بن هند، ونقل لنا تاريخ الأدب والشعر العربي ما قاله الفرزدق وهو يرد على جرير في هجائه الأخطل:

 

ما ضــرّ تغــلب وائلٍ أهجــوتَهـا

أم بُلْــتَ حــين تناطــح البحــران

قوم هـمُ قـتلوا ببن هــند عنوةَ

عمراً، وهم قسطوا على النعمانِ

 

كما قال افنون التغلبي مفتخراً:

لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا

لتخـــدُم ليــــلى أمَّـــهُ بمُــوفَّـقِ

فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتاً

فأمسـك من ندمــائه بالمخنَّق

وجندله عمرو إلى الرأس ضربة

بذي شطبٍ صافي الحديدة رونقِ

16نوفمبر

كل زين أشاهده وأنتم بعيد .. منوتي ليتك معي

 

كنت احاول ان أغيّر العالم الى الأفضل وكنت قد أوصيت عند وفاتي ان يُكتب على قبري “هنا يرقد صالح الرجل الصالح والذي حاول ان يغيّر العالم الى الأفضل” وان يُذيلوها بخط رفيع “يكفيه شرف المحاوله”

ولكني ايقنت قبل فتره أنه لم يعد بالإمكان قلب العالم للافضل او حتى تحسينه ولا إيقاف جريانه البائس للأمام ، لذا قررت أعيشه كيف ما جاء ، بحاله هيستريه من الحب وان ابكي كل ما سمعت محمد عبده يقول

“ كل زين اشاهده وأنتم بعيد .. منوتي ليتك معي “

 

أضغاث أقلامي Alsahlisaleh

 

 

16نوفمبر

خاطره

عادةً لا أقول لشخص “أحبك”
لست خالي المشاعر
ولكن !!!
علمني “أحمد مزهود” أنّ الرجل لا يضعف، ولا يشكي ولا يبكي
ويجب أن يخفي مشاعره
وهذه الكلمة أول علامات الضعف والإستسلام

لشخص واحد
أعترف أني قلتها ذات يوم

واللهِ ما طلعَتْ شمسٌ ولا غرَبَتْ …
إلا وحبُّكَ مَقرونٌ بِأنفاسي

ولا خَلَوتُ إلى قومٍ أحدِّثُهُمْ …
إلا وكنتَ حديثي بينَ جُلّاسِي

ولا هَمَمْتُ بشُربِ الماءِ من عطشٍ …
إلا رأيتُ خيالاً منكَ في الكاسِي

وهذا اعترافي الثاني

أضغاث اقلامي alsahlisaleh

2يناير

الجارية إعتماد

محمد بن عباد أحد أبناء الخليفة المعتضد بالله ملك اشبيلية

خرج ذات يوم مع صاحبة ووزيره لاحقاً ابن عمار إلى مكان يدعى ” مرج الفضة ” وكان محمد شاعر متواضع يخالط العامه ، وبينما هما يمشيان على ضفاف النهر في مرج الفضة ورى محمد تموج النهر بسبب الرياح ، فقال شطر من بيت

” صنع الريح من الماء زرد ”

وأشار لأبن عمار أن يكمل البيت وكان ابن عمار شاعرا أيضاً ، فأخذ يفكر وفكر ولم تسعفه قريحته الشعرية ، ليسمع صوت من على ضفاف النهر يكمل الشطر

” أي درع لقتال لو جمد ”

كان من أكمل البيت جارية تغسل الثياب على حافة النهر تسمى ” إعتماد ”

فلما سمعها محمد أعجب بها وبذكائها وسرعة بديهتها وافتتن بجمالها ، فأمر اتباعه ان يخطبوها له ويأتوا بها له كزوجه لا كجارية

وكان يحبها حبا عظيما ولا يقوى على فراقها ساعة ، حتى أنه عندما تولى الخلافة سمى نفسه ” المعتمد على الله بن عباد ” مشتقا إسمه من إسمها

2378501553_1

استمرا في حبهما وكان يعيشها الرفاهيه والعز في ابهى صورة

وذات بوم رأت جواري يبعن اللبن وقد شمرن عن سيقانهن وسواعدهن ويخضن في الطين ، فحنّت إلى ماضيها وطلبت منه أن تفعل هي وبناتها كما يفعلّن الجواري ولكن على الطريقة الملكية

فما كان من المعتمد بالله إلا ان نفذ امرها في صورة من البذخ والترف المكلف ، حيث امر بالمسك والكافور والعنبر وغيرها ان تسحق مع بعض وأن تعجن بماء الورد ليكون على شكل طين ، فتفعل اعتماد كما فعلن الجواري ، تشمر عن ساقها وساعدها وتخوض في الطين مع بناتها

ولكن الدنيا لا تدوم لأحد ، فقد كان هناك أمير يدعى ابو يعقوب يوسف بن تاشفين وكان يربطه علاقه مع ملوك الطوائف ومنهم المعتمد على الله ولكن أنتهى هذا التعاون بالعداوه ، فغزى المعتمد على الله ودخلوا في معارك أدّت إلى استسلام المعتمد على الله وقتل اثنين من أبنائه وتم نفيه إلى ” أغمات ” مكان في جنوب المغرب

فعاش المعتمد على الله ذليلا صغيرا فقيرا ، فكان بناته يغزلّن الغزل ويبيعونه على الناس ليجدوا قوت يومهم

ويُذكر أنه غضب من زوجته اعتماد يوما ، ( وكما نعلم بأن النساء ناكرات المعروف الا من رحم ربي ) فقالت : لم أرى قط خيراً معك

فقال : ولا حتى يوم الطين ، فبكت وأعتذرت !!!

Tumulo_Al-Mu'tamid

وكان المعتمد على الله قد كتب أبيات يرثي نفسه ويصف حاله نهار العيد وهو في الأسر :

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا  …
                   وكان عيدك باللذات معمورا

وكنت تحسب أن العيد مسعدةٌ …
                   فساءك العيد في “أغمات” مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعةً …
                   في لبسهنّ رأيت الفقر مسطورا

برزن نحوك للتسليم خاشعةً …
                   عيونهنّ فعاد القلب موتورا

يطأن في الطين والأقدام حافيةً …
                   كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا

قد لوّثت بيد الأقذاء واتسخت …
                   تشكو فراق حذاءٍ كان موفورا

لا خدّ إلا ويشكو الجدب ظاهره …
                   وقبل كان بماء الورد مغمورا

لكنه بسيول الحزن مُخترقٌ …
                   وليس إلا مع الأنفاس ممطورا

أفطرت في العيد لا عادت إساءتُه …
                   ولست يا عيدُ مني اليوم معذورا

قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً …
                   لما أمرت وكان الفعلُ مبرورا

وكم حكمت على الأقوامِ في صلفٍ …
                   فردّك الدهر منهياً ومأمورا

من بات بعدك في ملكٍ يسرّ به
                   أو بات يهنأ باللذات مسرورا

ولم تعظه عوادي الدهر إذ وقعت
                   فإنما بات في الأحلام مغرورا

 

 

 

الكاتب بتصرف : صالح أحمد

alsahlisaleh@

5ديسمبر

هيّت لك …

  

لي ولك..

نجمتان وبرجان في شرفات الفلك ..

ولنا مطر واحدٌ 

كلّما بلّل ناصيتي بلّلك ..

سادرانِ على الرمسِ نبكي

ونندبُ شمسًا تهاوتْ

وبدرًا هلكْ ..

وكلانا تغشّته حُمّى الرّمالِ

فلم يدرِ أيَّ ريحٍ تلقَّى

وأي طريقٍ سلك ..

فرّقتنا النّوى زمنًا

ثمّ لمّت شتات نوانا

على بقعةٍ من حلكْ ..

قلتَ لي:

هيتَ لك

هيت لك ..

سرتُ خلف خطاكَ أجرّرُ خطو المساكينِ

لم أسألكْ ..

في الصباح 

وقفت مليًا

فألفيت صومعتي منزلكْ ..

فاستشاطت عرى القلبِ

لكنني حين أبصرتُ عينيكَ

ردّدتُ:

لله ما أجملكْ …

© Copyright, جميع الحقوق محفوظة لـ صالح أحمد