نزار قباني
كلمة منك .. عمرت لي منزلاً فوق النجوم
إني عشقتك
إنّي عشِقْتُكِ .. واتَّخذْتُ قَرَاري
فلِمَنْ أُقدِّمُ _ يا تُرى _ أَعْذَاري
لا سلطةً في الحُبِّ .. تعلو سُلْطتي
فالرأيُ رأيي .. والخيارُ خِياري
هذي أحاسيسي .. فلا تتدخَّلي
أرجوكِ ، بين البَحْرِ والبَحَّارِ ..
ظلِّي على أرض الحياد .. فإنَّني
سأزيدُ إصراراً على إصرارِ
ماذا أَخافُ ؟ أنا الشرائعُ كلُّها
وأنا المحيطُ .. وأنتِ من أنهاري
وأنا النساءُ ، جَعَلْتُهُنَّ خواتماً
بأصابعي .. وكواكباً بِمَدَاري
خَلِّيكِ صامتةً .. ولا تتكلَّمي
فأنا أُديرُ مع النساء حواري
وأنا الذي أُعطي مراسيمَ الهوى
للواقفاتِ أمامَ باب مَزاري
وأنا أُرتِّبُ دولتي .. وخرائطي
وأنا الذي أختارُ لونَ بحاري
وأنا أُقرِّرُ مَنْ سيدخُلُ جنَّتي
وأنا أُقرِّرُ منْ سيدخُلُ ناري
أنا في الهوى مُتَحكِّمٌ .. متسلِّطٌ
في كلِّ عِشْقِ نَكْهةُ اسْتِعمارِ
فاسْتَسْلِمي لإرادتي ومشيئتي
واسْتقبِلي بطفولةٍ أمطاري..
إنْ كانَ عندي ما أقولُ .. فإنَّني
سأقولُهُ للواحدِ القهَّارِ…
عَيْنَاكِ وَحْدَهُما هُمَا شَرْعيَّتي
مراكبي ، وصديقَتَا أسْفَاري
إنْ كانَ لي وَطَنٌ .. فوجهُكِ موطني
أو كانَ لي دارٌ .. فحبُّكِ داري
مَنْ ذا يُحاسبني عليكِ .. وأنتِ لي
هِبَةُ السماء .. ونِعْمةُ الأقدارِ؟
مَنْ ذا يُحاسبني على ما في دمي
مِنْ لُؤلُؤٍ .. وزُمُرُّدٍ .. ومَحَارِ؟
أَيُناقِشُونَ الديكَ في ألوانِهِ ؟
وشقائقَ النُعْمانِ في نَوَّارِ؟
يا أنتِ .. يا سُلْطَانتي ، ومليكتي
يا كوكبي البحريَّ .. يا عَشْتَاري
إني أُحبُّكِ .. دونَ أيِّ تحفُّظٍ
وأعيشُ فيكِ ولادتي .. ودماري
إنّي اقْتَرَفْتُكِ .. عامداً مُتَعمِّداً
إنْ كنتِ عاراً .. يا لروعةِ عاري
ماذا أخافُ ؟ ومَنْ أخافُ ؟ أنا الذي
نامَ الزمانُ على صدى أوتاري
وأنا مفاتيحُ القصيدةِ في يدي
من قبل بَشَّارٍ .. ومن مِهْيَارِ
وأنا جعلتُ الشِعْرَ خُبزاً ساخناً
وجعلتُهُ ثَمَراً على الأشجارِ
سافرتُ في بَحْرِ النساءِ .. ولم أزَلْ
_ من يومِهَا _ مقطوعةً أخباري..
***
يا غابةً تمشي على أقدامها
وتَرُشُّني يقُرُنْفُلٍ وبَهَارِ
شَفَتاكِ تشتعلانِ مثلَ فضيحةٍ
والناهدانِ بحالة استِنْفَارِ
وعَلاقتي بهما تَظَلُّ حميمةً
كَعَلاقةِ الثُوَّارِ بالثُوَّارِ..
فَتشَرَّفي بهوايَ كلَّ دقيقةٍ
وتباركي بجداولي وبِذَاري
أنا جيّدٌ جدّاً .. إذا أحْبَبْتِني
فتعلَّمي أن تفهمي أطواري..
مَنْ ذا يُقَاضيني ؟ وأنتِ قضيَّتي
ورفيقُ أحلامي ، وضوءُ نَهَاري
مَنْ ذا يهدِّدُني ؟ وأنتِ حَضَارتي
وثَقَافتي ، وكِتابتي ، ومَنَاري..
إنِّي اسْتَقَلْتُ من القبائل كُلِّها
وتركتُ خلفي خَيْمَتي وغُبَاري
هُمْ يرفُضُونَ طُفُولتي .. ونُبُوءَتي
وأنا رفضتُ مدائنَ الفُخَّارِ..
كلُّ القبائل لا تريدُ نساءَها
أن يكتشفْنَ الحبَّ في أشعاري..
كلُّ السلاطين الذين عرفتُهُمْ..
قَطَعوا يديَّ ، وصَادَرُوا أشعاري
لكنَّني قاتَلْتُهُمْ .. وقَتَلْتُهُمْ
ومررتُ بالتاريخ كالإعصارِ ..
أَسْقَطْتُ بالكلمَاتِ ألفَ خليفة ..
وحفرت بالكلمات ألف جدار
أَصَغيرتي .. إنَّ السفينةَ أَبْحَرتْ
فَتَكَوَّمي كَحَمَامةٍ بجواري
ما عادَ يَنْفعُكِ البُكَاءُ ولا الأسى
فلقدْ عشِقْتُكِ .. واتَّخَذْتُ قراري..
القصيدة المتوحشة
وضيعي في خطوط يدي
أحبيني .. لأسبوع .. لأيام .. لساعات..
فلست أنا الذي يهتم بالأبد..
أنا تشرين .. شهر الريح،
والأمطار .. والبرد..
أنا تشرين فانسحقي
كصاعقة على جسدي..
أحبيني ..
بكل توحش التتر..
بكل حرارة الأدغال
كل شراسة المطر
ولا تبقي ولا تذري..
ولا تتحضري أبدا..
فقد سقطت على شفتيك
كل حضارة الحضر
أحبيني..
كزلزال .. كموت غير منتظر..
وخلي نهدك المعجون..
بالكبريت والشرر..
يهاجمني .. كذئب جائع خطر
وينهشني .. ويضربني ..
كما الأمطار تضرب ساحل الجزر..
أنا رجل بلا قدر
فكوني .. أنت لي قدري
وأبقيني .. على نهديك..
مثل النقش في الحجر..
***
أحبيني .. ولا تتساءلي كيفا..
ولا تتلعثمي خجلا
ولا تتساقطي خوفا
أحبيني .. بلا شكوى
أيشكو الغمد .. إذ يستقبل السيفا؟
وكوني البحر والميناء..
كوني الأرض والمنفى
وكوني الصحو والإعصار
كوني اللين والعنفا..
أحبيني .. بألف وألف أسلوب
ولا تتكرري كالصيف..
إني أكره الصيفا..
أحبيني .. وقوليها
لأرفض أن تحبيني بلا صوت
وأرفض أن أواري الحب
في قبر من الصمت
أحبيني .. بعيدا عن بلاد القهر والكبت
بعيدا عن مدينتنا التي شبعت من الموت..
بعيدا عن تعصبها..
بعيدا عن تخشبها..
أحبيني .. بعيدا عن مدينتنا
التي من يوم أن كانت
إليها الحب لا يأتي..
إليها الله .. لا يأتي ..
***
أحبيني .. ولا تخشي على قدميك
– سيدتي – من الماء
فلن تتعمدى امرأة
وجسمك خارج الماء
وشعرك خارج الماء
فنهدك .. بطة بيضاء ..
لا تحيا بلا ماء ..
أحبيني .. بطهري .. أو بأخطائي
بصحوي .. أو بأنوائي
وغطيني ..
أيا سقفا من الأزهار ..
يا غابات حناء ..
تعري ..
واسقطي مطرا
على عطشي وصحرائي ..
وذوبي في فمي .. كالشمع
وانعجني بأجزائي
تعري .. واشطري شفتي
إلى نصفين .. يا موسى بسيناء..
إلى رجل
… أبيع من أجله الدنيـــا وما فيها
يا من تحديت في حبي له مدنـا
… بحالهــا وسأمضي في تحديهـا
لو تطلب البحر في عينيك أسكبه
… أو تطلب الشمس في كفيك أرميها
أنـا أحبك فوق الغيم أكتبهــا
… وللعصافيـر والأشجـار أحكيهـا
أنـا أحبك فوق الماء أنقشهــا
… وللعناقيـد والأقـداح أسقيهـــا
أنـا أحبك يـا سيفـا أسال دمي
… يـا قصة لست أدري مـا أسميها
أنـا أحبك حاول أن تسـاعدني
… فإن من بـدأ المأساة ينهيهـــا
وإن من فتح الأبواب يغلقهــا
… وإن من أشعل النيـران يطفيهــا
يا من يدخن في صمت ويتركني
… في البحر أرفع مرسـاتي وألقيهـا
ألا تراني ببحر الحب غارقـة
… والموج يمضغ آمـالي ويرميهــا
إنزل قليلا عن الأهداب يا رجلا
… مــا زال يقتل أحلامي ويحييهـا
كفاك تلعب دور العاشقين معي
… وتنتقي كلمــات لست تعنيهــا
كم اخترعت مكاتيبـا سترسلها
… وأسعدتني ورودا سوف تهديهــا
وكم ذهبت لوعد لا وجود لـه
… وكم حلمت بأثـواب سأشريهــا
وكم تمنيت لو للرقص تطلبني
… وحيـرتني ذراعي أين ألقيهـــا
ارجع إلي فإن الأرض واقفـة
… كأنمــا فرت من ثوانيهــــا
إرجـع فبعدك لا عقد أعلقــه
… ولا لمست عطوري في أوانيهــا
لمن جمالي لمن شال الحرير
… لمن ضفـائري منذ أعـوام أربيهــا
إرجع كما أنت صحوا كنت أم مطرا
… فمــا حياتي أنا إن لم تكن فيهـا
حوار مع النفس
مالي عشقت السير في طرق الظنون
فإذا جنوني صار بعض تعقلي
وإذا بأفكاري يغلفها الجنون
أنا .. أنا .. أنا من أكون ؟!
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحةٍ
والكُرْهُ فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
أنا .. أنا .. أنا من أكون ؟!
بيني وبين سعادتي بحر عميق
والناس حالوا بين قلبي والطريق
فلكم أعالجهم وبي سقم الضنا
ولكم أنجيهم وكنت أنا الغريق
يا رب إن ضاقت قلوب الناس عما فيا من خير فعفوك لا يضيق
أنا .. أنا .. أنا من أكون ؟!
alsahlisaleh
نزار قباني
الحب …
ما زلتِ في فن المحبة طفـــــــلة —- بيني وبينك.؟…… أبحر وجبالُ
لم تستطيعي بعـــــــد أن تتفهمي —- أن الرجال جميعهم أطفـــــــــالُ
إني لارفض أن أكون مهرجـــــا —- قزماً على كلماته يحتــــــــــــالُ
فإذا وقفت أمام حسنك صامتـــــاً —- فالصمت في حرم الجمال جمالُ
كلماتنا في الحب تقتل حبنــــــــا —- إن الحروف تموت حين تقــــالُ
قصص الهوى قد أفسدتك فكلـــها —- غيبوبة…. وخرافة….. وخيــالُ
الحب ليس رواية شرقيــــــــــــة —- بختامها… يتزوج الأبطــــــــالُ
لكنه الإبحار دون سفينـــــــــــــة —- وشعورنا أن الوصول محـــــالُ
هوان تظل على الأصابع رعشةٌ —- وعلى الشفاه المطبقات ســــؤالُ
هو جدول الأحزان في أعماقــــنا —- تنمو كروم حولـــــــــه.. وغلالُ
هو هذه الأزمــــــات تسحقنا معاً —- فنموت نحن……. وتزهر الآمالُ
هو أن نثور لأي شي تــــــــــافه —- هو يأسنا…. هو شكنا القتّـــــالُ
هو هذه الكفّ التي تغتالنــــــــــا —- ونقبّل الكف التي تغتــــــــــــالُ
لا تجرحي التمثال في إحساســـه —- فلكم بكى في صمته تمثـــــــــالُ
قد يُطلع الحجر الصغير براعمـاً —- وتسيل منه جداول وظــــــــلالُ
إني أحبك من خلال كآبتـــــــــي —- وجهاً كوجه البدر ليس يطــــــــالُ
حسبي وحسبك أن تظلي دائمــــاً —- سراً يمزقني وليس يقــــــــــــالُ


